محمد الساعدي

29

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

يحدّدوا علاقاتهم مع هذه الحضارة ، وأن يسعوا إلى تحقيق « إصلاح صوفي الطابع » يسمح لهم بأن يعيشوا الإسلام « الدين الكامل » بروحه الحقيقية . ويقول مالك : إنّ تخلّفهم الراهن لا يسمح لهم بأن يؤدّوا دورهم على النحو المنشود ، لكن الإحساس بالقيمة الأخلاقية الذي بقي حياً عندهم ، والذي « يفتقر إليه روح الحداثة القديم ، إنّ هذا الإحساس الذي يجعلهم يقدّمون الواجبات على الحقوق قد يتيح لهم فرصة إيجاد الحلول لمشكلاتهم ، بل لمشكلات البشرية قاطبة » . ومن هذا المنظور يكون للعالم الاسلامي الذي هو « قيد التحّول » « مستقبل » . لقد كانت السياسات الاستعمارية ( الفرنسية في الغرب ، والإنجليزية في الشرق ) تحرص على تمزيق العلاقات الوثيقة بين أجزاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج باتّباع نهج سياسي معيّن يتمثّل في فرض واقع الغربة اللسانية ، وذلك بتعميم اللغة الفرنسية في المغرب العربي بأقسامه المعروفة « المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا » ، وكانت فرنسا تحلم بفرنسة هذه البلدان ، تمهيداً لإدماجها في كيانها بصورة نهائية ، وقد قطعت في هذه السبل شوطاً بعيداً ، وكذلك فعلت بريطانيا ، أو حاولت أن تفعل بنشر لسانها الإنجليزي . ومهما سجّل التاريخ من جهود الدولتين في تذويب الشخصية العربية في محلول « آري - لاتيني » ، فإنّ كلّ الجهود باءت بالفشل ، وسرعان ما علت نبرة الكفاح والتحرّر ورجعت الأوطان العربية المسلمة إلى اللسان العربي وإلى الهوية الإسلامية . والناظر إلى شخصية مالك بن نبي يجد أنّها قد جسدّت هذه المراحل كلّها . ولقد سُئل ذات يوم عن السرّ في التحوّل عن المهنة التي تخصّص فيها « الهندسة الكهربائية » إلى الاشتغال بالعمل الفكري ، فقال : « نظرت فوجدت أنّ بلادي بحاجة إلى مهندس لأفكارها أكثر من حاجتها إلى مهندس كهربي ! » . ويبدو أنّ مالكاً قد تخرّج مهندساً في أواخر العشرينيات من القرن العشرين ، وأنّه أكبّ على دراسة العلوم الاجتماعية وقراءة المراجع التاريخية والأنثروبوليجية خلال الثلاثينيات من القرن الماضي ، كما كان قد درس مجموعة من أعمال المستشرقين حول